اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
52
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
التعليقات الجغرافية على الأساطير الأخرويّة ( eschatological legends ) الموجودة بالحديث والتي ترجع في معظمها إلى نفس أولئك الرواة الذين مر ذكرهم للتو . ففيها نلتقى بوصف دقيق للدجال ( Antichrist ) الذي يظهر في آخر الزمان 99 وللبلاد المرتبطة باسمه ، كما يرد أيضا وصف الصراط 100 الذي يؤدى إلى العالم الثاني ، ووصف الجنة 101 والنار 102 . وهنا تطغى الأسطورة على الجغرافيا تماما ، ولكن لم يكن بوسع العلماء العرب أن يتجاهاوها لذا فإن معظم المصنفات قد وقعت تحت تأثيرها . وقد حدث بالطبع خلط بين التصورات الجغرافية المبنية على الواقع من جهة والحكايات والأساطير من جهة أخرى . ففي أقل من خمسين عاما بعد وفاة محمد أخذ في الانتشار وصف تخطيطى فريد للمعمورة ينسب إلى عبد اللّه بن عمرو بن العاص فاتح مصر الشهير ( توفى حوالي عام 63 ه - 73 ه - 682 - 692 ) جاء فيه 103 : « صورة الدنيا على خمسة أجزاء كرأس الطير والجناحين والصدر والذنب فرأس الدنيا الصين وخلف الصين أمة يقال لها واق واق ووراء واق واق من الأمم ما لا يحصى إلا اللّه والجناح الأيمن الهند وخلف الهند البحر وليس خلفه خلق والجناح الأيسر الخزر وخلف الخزر أمتان يقال لإحداهما منشك وما شك 104 وخلف ما شك ومنشك يأجوج ومأجوج من الأمم ما لا يعلمها - - إلا اللّه وصدر الدنيا مكة والحجاز والشام والعراق ومصر والذنب من ذات الحمام 105 إلى المغرب وشرّ ما في الطير الذنب » . هذه الرواية قد راجت بشكل خاص في مصر طبعا ورواها من المتقدمين ابن عبد الحكم ومن المتأخرين ابن وصيف شاه والمقريزي وأبو المحاسن ، ورغما من إغراقها في الخيال فيمكن استخراج تفاصيل ذات فائدة منها ، وقد استطاع فيران Ferrand استغلالها في تحديد موقع بلاد واق واق التي ظنها البعض خطأ اليابان 106 . ولا ينفرد العرب في تصويرهم الأرض على شكل طائر إذ أن الفكرة قد وجدت لدى بعض الساميين الغربيين فقد تصوروا الأرض على هيئة طائر كونى ( Cosmic ) هائل 107 . وقد انتقلت هذه الصورة بدورها من العرب إلى بعض رسائل المسلمين الصينيين 108 . هذا وتمتزج الأفكار الواقعية بالأفكار الموجودة بالتوراة في وحدة غريبة حتى فيما يتعلق ببلاد العرب نفسها . مثال هذا قصة انتشار القبائل العربية التي تنسب إلى واحد من أخصب واضعي الأحاديث وهو ابن عباس ( المتوفى حوالي عام 687 ) والتي حفظت لنا في وصف جزيرة العرب للهمداني وفي معجم البكري . وهي تعطى فكرة جيدة عن طابع هذه الأحاديث « الجغرافية » المبكرة التي تغلب الواقعية على موضوعها . ونصها : « باب ما جاء عن ابن عباس رحمه اللّه تعالى في ذكر جزيرة العرب . أما حديث عبد اللّه بن عباس في جزيرة العرب فإنه ما نقل عن محمد بن السائب الكلبي عن ابن صالح عن ابن عباس من وجه وعن معاوية بن عميرة بن مخوس الكندي أنه سمع عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب وسأله رجل عن ولد